هل أقتربنا من الوقت الذي سيصبح فيه الكمبيوتر أكثر ذكاء من البشر؟

المرحلة المقبلة من تكنولوجيا المعلومات قائمة على ما نُطلق عليه الحوّسبة الكمية

المرحلة المقبلة من تكنولوجيا المعلومات قائمة على ما نُطلق عليه الحوّسبة الكمية

قطاع التكنولوجيا يعيد إبتكار نفسه؟

بعدما ساد الاعتقاد بأننا نملك قوة من الحاسبات الإلكترونية كافية لفعل أي شيء نريده، يوشك قطاع التكنولوجيا على إعادة ابتكار نفسه من جديد، إذ سيكون العصر الجديد من تكنولوجيا المعلومات قائما على ما نُطلق عليه الحوّسبة الكمية Quantum Computing. ولا داعي للذعر؛ فالأمر لا يعدو كونه امتداداً لنفس مبادئ فيزياء الجسيمات التي مكّنتنا من صنع غالبية أجهزة الكمبيوتر الحالية.

وبشكل أساسي، يستند كل شيء نظرية التشغيل والإيقاف ON-OFF ، ولإيضاح الصورة الأكثر، لنسترجع الأحداث بتاريخ مختصر عن الكمبيوتر.

بعد حقبة الستينيات التي شهدت ظهور الكمبيوتر ‘الكبير Mainframe’ و’المتوسط Mini’، تقدمنا بسرعة في خضم ثورة الكمبيوتر الشخصي خلال الثمانينيات والتسعينيات، فزادت سرعة وقوة الشريحة الإلكترونية Chip للمعالج (بروسيسور) والأهم من ذلك أصبح سمكها أرفع، إلى أن وصلت المعالجات إلى درجة من النحافة سمحت لنا بناء تصميمات متعددة النواة (Multi-Core) لتشغيل عمليات حسابية متزامنة في نفس اللحظة، في نهج قدم لنا خدمة قيّمة منذ بداية عام 2000.

وبعد ذلك، اخترعنا الحوسبة السحابية (الكلاود) حيث لا نحتاج الي وحدات تخزين كبيرة علي حاسباتنا، والتي من شأنها أن تجعلنا مواكبين لأحدث التطورات، لكن ذلك ليس كافيا، فلا زلنا نقوم بنفس الأشياء الذي كنا نقوم به عام 1946 عندما بُني أول كمبيوتر بالمعني الحديث وكان من فئة Mainframe وأطلق عليه “ENIAC” باستخدام الصمامات المفرغة (Vacuum Tubes)  أو ما يطلق عليه اللمبات في أجهزة التلفزيون والراديو القديمة وهي صمامات ضخمة الحجم لا يمكن الاعتماد عليها لكثرة أعطالها. وانتقلنا بعد الصمامات إلى ترانزستورات إلكترونية أكثر قوة ومن ثم إلى مفاتيح السيليكون المصغّرة الدقيقة.

الحوسبة الكمية (العقل البشري)

كنا ومازلنا نبني في الأساس نظام كمبيوتر يعتمد علي التشغيل والإيقاف On-Off ، وإن كانت تركز بشكل أساسي على تصغير وحدات الكمبيوتر والتحول إلى ما يمكن الاعتماد عليه في الأجهزة الإلكترونية الصغيرة.

واليوم، نستكشف أدق العناصر متناهية الصغر في الوجود، ونستخدم النيوترونات والبروتونات وعائلة الجسيمات دون الذرية (حجمها أقل من الذرة) بأكملها لبناء أقوى نظام لتقنية التشغيل والإيقاف على الإطلاق. ومن هنا تبدأ النظرية الكمية، والحوسبة الكمية، التي من المتوقع أن تقودنا في المستقبل.

وتبرز المشكلة في أنك مهما اعتقدت بذكاء الكمبيوتر الشخصي واللاب توب، فإنه يبقى قبل كل شيء جهاز يعمل بطريقة متسلسلة أي أنه ينفذ الأمر رقم 1 ثم يقوم بتنفيذ الأمر رقم 2 ثم  3، 4، … وهكذا؛ فعلى الأغلب، يؤدي الكمبيوتر وظيفة واحدة تلو الأخرى، وقلّما يؤدي وظيفتين بالتزامن عندما يستطيع ذلك. وتعتبر خاصية التدقيق اللغوي التي تعمل في “مايكروسوفت وورد” بينما تكتب، من الأمثلة على تأدية أكثر من وظيفة بالتزامن.

ولكي نقفز إلى العصر الجديد من الحاسبات الإلكترونية، علينا أن نجعلها تقوم بتنفيذ آلافاً وملايين من العمليات الإلكترونية في وقت واحد.

عادة ما يتم تشبيه الحوسبة الكمية بشبكات الخلايا العصبية في العقل البشري الذي تفوق قدرته أجهزة الكمبيوتر المعروفة الآن مهما بلغت قوتها، بما يتضمنه من نحو 100 مليار من الخلايا العصبية وتريليونات الروابط التشابكية. لكن الأجهزة الإلكترونية والروبوت وأجهزة الذكاء الأصطناعي Artificial Intelligence التي ننتظر الكشف عنها في المستقبل القريب، ستكون قادرة على هذا النوع من الأداء القوي الذي يشبه العقل البشري.

أجهزة الكمبيوتر التقليدية رقمية: ترتكز على النظام الثنائي أي الأرقام الثنائية 1 و0 (نعم، فعليًا هي مثل مفتاح الكهرباء، إيقاف الذي يمثله رقم 0 وتشغيل ويمثله رقم 1). وقد بُنيت هذه التكنولوجيا على أساس جهاز كمبيوتر قادر على تحديد الفرق بين هاذين القيمتين، 1 أو 0.

وفي النظرية الكمية، يمكن أن تكون قيمة (أو حالة) الرقم إما 1 أو 0، أيضاً، لكنها كذلك قد تكون مجموعة كبيرة من الخيارات بين 1 و0، إذا فهو مفتاح تشغيل وإيقاف بصفات خاصة يمكن أن تديره الي كسور كثيرة بين رقم 0 ورقم 1 (علي سبيل المثال 0 ثم 0.1 ثم 0.2 ثم 0.3 الي أن تصل الي رقم 1). وهذه القدرة على تعريف ما نُطلق عليه ‘التراكب’ يعني أن الحوسبة الكمية غير محدودة بحالتين، أي أن قدرتها المحتملة ازدادت بشكل هائل.

تخزين البيانات بشكل مختلف

بينما تخزّن أجهزة الكمبيوتر الرقمية البيانات بوحدات الـ”بت Bit”؛ تعتمد الحواسيب الكمية وحدات “كيوبت qubits”. وخلال تعمّقنا بالمسألة، نواجه حالة “النفق الكمي” (وهي حالة تنتقل بها المعلومات بين الكيوبيتات دون أن تحتاج للبقاء في مكان بين هذه الوحدات)، وحالة “التشابك الكمي” (حالة يؤثر فيها ما يحدث للكيوبيت الواحد بالكيوبيت الآخر في مكان مختلف). وتصبح المسألة فجأة أشبه بوجود شبكة هجينة مترابطة من مفاتيح التشغيل والإيقاف تهتم بما يفعله غيرها.

تمنحنا خصائص تراكبية الكيوبتيات القدرة على تنفيذ الملايين من الأشياء (العمليات الحسابية) في نفس الوقت، مما يشحن أجهزة الكمبيوتر بدفعة هائلة فيما يخص تأدية الوظائف بالتزامن، ونشير لهذه المسألة بتعابير تقنية مثل “فلوبس FLOPS” أو “العمليات الحسابية المعقدة في الثانية”، للتعبير عن عدد العمليات الحسابية التي تُقاس بها قوة أجهزة الكمبيوتر التقليدية بوحدة “جيجافلوبس” (مليار عملية حسابية في الثانية)، وفي أجهزة الكمبيوتر الكمية بال”تيرافلوبس” (تريليونات عملية حسابية في الثانية ) و”بيتافلوبس” (كدريليونات: تريليون تريليون عملية حسابية في الثانية).

في عام 2016 لن نحتاج لإيجاد معيار لسرعة أجهزة الكمبيوتر أكثر من (كدريليونات) ولكن في المستقبل سوف نحتاج بالتأكيد الي وحدات جديدة مع زيادة سرعة أجهزة الكمبيوتر.

وإذا كانت هذه محاولة منا لشرح الحوسبة الكمية، فهل عدنا للوراء لنسأل عن سبب حاجتنا لهذا النوع من القوة الحاسوبية أساسًا؟ يتفق التكنولوجيون على أن نموذجنا الحالي في طريقة عمل أجهزة الكمبيوتر لم يعد كافيا، ويقصدون بذلك قدرتنا على القيام بالعمليات الإلكترونية لحجم كبير وأعداد هائلة من العمليات الحسابية والخوارزميات التي نحتاجها اليوم، فالأجهزة المعاصرة لم تنجح بتحقيق ما هو متوقع أن يطلب منها في المستقبل.

أما مع الحوسبة الكمية، فسنتمكن، نظريًا، من حل معظم المشاكل البشرية المعقدة، إذ تدور أصعب تحديات الكوكب عادةً حول أعداد هائلة من المتغيّرات الفردية والتي تفوق تعقيد أكثر معاملات سوق الأسهم تشعبًا، حيث نبحث الآن عن علاج لأمراض السرطان ونقص المناعة المكتسبة وسلالات الملاريا الأكثر فتكًا بالبشر. ويُمكن القول إن هذا النوع من التقدم الذهني أصبح بمتناول أيدينا.

لقد استثمرت شركتا مايكروسوفت وإنتل بشكل كبير في مجال الحوسبة الكمية وأسسا أقسامًا مختصة للإشراف على تطويرها. كما استثمرت شركة جوجل في أنظمة دي-ويف المختصة الكمية الكندية لمراقبة سيّارات القيادة الذاتية التي تنتجها. وسنستخدم الحوسبة الكمية في المستقبل القريب لتطوير مواد العصر الجديد وإجراء التحليل الجيني وتشفير أمن الكمبيوتر والبحث في الظواهر الكوكبية، وهي مما دعمته مؤخراً كل من وكالة ناسا ووكالة الاستخبارات الأمريكية.

عندما تحاول أجهزة الكمبيوتر العصرية الحالية حل المشكلات، فهي تجرّب كافة الحلول الممكنة واحداً تلو الآخر، بينما تستطيع أجهزة الكمبيوتر الكمية استخدام النظرية الكمية لتقديم كافة الحلول المحتملة في وقت واحد حتى تتم مقارنتها بشكل متزامن، وبالتالي سلوك طريق أسرع وأكثر كفاءة لحل المشكلة.

لماذا لا نبني أجهزة كومبيتر تعمل بالحوسبة الكمية الآن؟

أولا: عملية بناء المعالجات الكميّة باهظة الثمن وتتطلب بيئة مغناطيسية منخفضة خاصة للتشغيل في المقام الأول،

وثانياً: تنتج القوة الحاسوبية الضخمة درجات حرارة مرتفعة مما يتطلب بقاء المعالجات في بيئة لا تزيد درجة حرارتها عن 10 درجات ميليكيلفن، وهي حرارة أبرد مئة مرة من الفضاء الذي يتوسط النجوم، فبالأساس، توجد الحواسيب الكميّة في أبرد مكان قد تجده في العالم الذي نعرفه.

لن يتمكن أي أحد من امتلاك كمبيوتر كمي في الواقع، لكننا سنصل إلى وقت قريبًا نتكمن فيه من استغلال قوته من خلال خدمات سحابية (كلاود) بنفس الطريقة التي نستخدم فيها اليوم قوة تكنولوجيا المعلومات القائمة على الويب. وتركز الخطوة التالية على الطريقة التي نستخدم بها كبشر هذه القوة الدماغية الأشبه بالعصبية لمصلحة عالمنا الذي نعيش فيه.

وبناءً على ‘تاريخ الكمبيوتر الموجز’ الذي بدأنا من عنده، ونظرًا للمستوى المتقدم الجديد للقوة الكمية الذي أشرنا إليه هنا، يصعب تخيّل ما سيحدث لتراكمات تكنولوجيا المعلومات الخاصة بنا خلال العقد القادم. سيكون هذا النوع من الاستشراف المستقبلي والتحوّل الانقلابي، جزءًا من جدول أعمال قمة الحكومات العالمية 2016، في الإمارات.


المصدر: World Government Summit.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.