أكبر طائرة في العالم في مهمة جديدة

الطائرة الأنتونوف الأسطورة من طراز “إن 225” أكبر طائرة في العالم

في جزء صغير من قاعدة جوية أقيمت في الحقبة السوفيتية على مشارف العاصمة الأوكرانية كييف، تقبع أفضل طائرات شركة “أنتونوف” الأسطورية لتصنيع وصيانه الطائرات. وصُممت هذه التحفة الهندسية الوحيدة من نوعها وصنّعت إبان ثمانينات القرن الماضي، بالتزامن مع بداية أفول نجم الاتحاد السوفيتي.

وتعد الطائرة من طراز “إن 225” أكبر طائرة صنعت على وجه الأرض. فهذه الطائرة تبلغ من الضخامة بحيث يفوق مخزن البضائع بالجزء الخلفي منها طول أول رحلة جوية للأخوين رايت، من الإقلاع حتى الهبوط.

والآن، مضى على تصنيع طائرة “إن 225” 30 عاما. ورغم تحديثها في الآونة الأخيرة لتستمر في الخدمة ل20 عاما إضافية، فإن هذه الطائرة نادرا ما تحلق في السماء. بل تستقر أسفل قوس فولاذي ضخم بلا حراك، حيث يعتني بها طاقم من الموظفين بشركة أنتونوف بين الحين والآخر.

ولكن الاستخدام المحدود للطائرة ليس له علاقة بعمرها، بل بسبب ضعف الطلب على الخدمة المتخصصة وعالية التكلفة نسبيا التي تقدمها هذه الطائرة. ورغم أن الطائرة، الملقبة ب”مرّيا”، وتعني “الحلم” باللغة الأوكرانية، تعد في حالة جيدة، فإن المهمات التي تستدعي استخدام طائرة بهذه الضخامة باتت قليلة للغاية. كما ينبغي أن تكون المهام ضرورية وعاجلة، إذ أن استخدام هذه الطائرة سيكلفك نحو 30 ألف دولار أمريكي في الساعة.

وفي عام 2016، حلقت الطائرة “إن 225” في رحلتين طويلتين عبر الكرة الأرضية على مدار 3 شهور فقط، ثم قضت ما تبقى من العام في مطار “جوستوميل”، الذي كان يوما ما مركزا سريا لاختبارات طائرات أنتونوف.

تصل تكلفة استئجار الطائرة “إن 225” الوحيدة من نوعها إلى 30 ألف دولار في الساعة

يقول ألكسندر جالونينكو، أول طيار يحلق بهذه الطائرة، إن الغرض الذي صنعت من أجله طائرة “إن 225” هو نقل مكوك الفضاء السوفيتي “بوران”. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بات من الضروري البحث عن غرض جديد للطائرة، لتصبح طائرة للشحن.

يقول جالونينكو: “في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، عُلّق العمل في برنامج بوران الفضائي السوفيتي، وتوقف التمويل لانعدام الحاجة لهذه الطائرة”. وقد حلّق جالونينكو بطائرة “إن 225” في 21 ديسمبر/كانون الأول 1988، بعد أن عمل طيلة عقد من الزمن طيار اختبار سوفيتي.

ويتذكر جالونينكو علامات الدهشة والحيرة التي بدت على وجوه الناس عندما رأوا هذه الطائرة الضخمة، التي خرجت للمرة الأولى من أوكرانيا في زيارة للولايات المتحدة الأمريكية.

ويقول جالونينكو: “كنا مدعوين لزيارة معرض للطيران في ولاية أوكلاهوما، وذكرت وسائل الإعلام أن أكبر طائرة في العالم ستصل إلى المعرض، وهذا الخبر اجتذب حشودا من الناس. وظن جميع الحاضرين أن أكبر طائرة في العالم صنعتها شركة “بوينج”، وكان علينا أن نخبرهم أن الشركة التي صنعتها هي “أنتونوف”، ثم سألوا وأين شركة أنتونوف؟ وأجبنا ‘إنها شركة في كييف’ ثم ردوا ‘وما هي كييف؟’ وقلنا لهم إن كييف هي مدينة في أوكرانيا’ وسألوا بالطبع ‘وما هي أوكرانيا؟”

وفي النهاية، أخرج ربان الطائرة خرائطه وأشار إلى موقع أوكرانيا للزائرين المتشوقين للمعرفة. ويقول جالونينكو ضاحكا: “أخذ قلما وخط دائرة حول مدينة كييف ليعرفهم موقعها، فنحن لم نعرض طائرتنا فحسب، بل أعطينا للأمريكان درسا في الجغرافيا أيضا”.

وتعد طائرة “إن 225″، امتدادا لنظيرتها الأصغر حجما “إن 124” الملقبة ب”راسلان”، والتي قلما توصف بأنها صغيرة، فهي في الحقيقة أكبر طائرة نقل عسكرية في العالم.

ومن إحدى الغرف المزدانة بنماذج صغيرة الحجم لكل طائرة صنعتها شركة أنتونوف على مدار تاريخها الممتد لـ 71 عاما، يقول نيكولاي كالاشنكوف، كبير المهندسين بمشروع “إن 225” إنه أمضى كل حياته المهنية لدى شركة أنتونوف، ولكن بناء الطائرة “مرّيا” كان بمثابة تتويجا لتاريخة المهني.

ألكسندر غالونينكو أول طيار يحلق بطائرة “إن 225” العملاقة

يقول كالاشنكوف: “خطفت الطائرة الأنظار عندما حلقت للمرة الأولى، فمن يتخيل أن تتمكن آلة بهذه الضخامة من التحليق في الجو. أما الآن، فمن العسير أن تعرف إن كانت ستثير إعجاب الناس أم لا”.

وعلى الرغم من أن الطائرة “إن 124 راسلان”، كانت طائرة شحن ضخمة الحجم في هذا الوقت، فإن كالاشنكوف وفريقه عزموا على تعديل هيكل الطائرة لزيادة الحد الأقصى للوزن المسموح به عند إقلاع الطائرة. ولهذا، أضافوا محركين وصفّين من عجلات الهبوط، وزادوا من طول بدن الطائرة، وغيروا تصميم ذيل الطائرة لتلبية المطلب الأهم وهو ضمان سهولة انزلاق المكوك الفضائي “بوران” وصاروخ “إنيرجيا” المصمم ليعزز المركبة الفضائية بوران، من الطائرة “مريا” أثناء الطيران، لينطلقا بعد ذلك إلى الفضاء.

ويقول ميخائيل خراتشينكو، المدير التنفيذي لخطوط طيران أنتونوف، من مكتبه في مطار جوستوميل: “بإمكان طائرة “إن 225″ أن تحمل أي شيء، مثل المكوك الفضائي وجميع عناصر الصاروخ في الجزء الخلفي منها. ولم تختف الفكرة بعد، إذ تعمل الولايات المتحدة في الوقت الحالي على تنفيذ برنامج للإطلاق من الجو بدلا من الأرض”.

ويقول كالاشنيكوف إن البعثات الفضائية للاتحاد السوفيتي، في هذا الوقت، كانت تُدار من محطة “بايكونور” الفضائية، التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي سابقا، وباتت الآن جنوبي كازاخستان. وكانت مهمة “إن 225” تتمثل في إحضار الصواريخ المعززة للمركبة الفضائية من موسكو، وتوصيل المكوك بوران إلى قاعدة “بايكونور”، وبهذا سيكون برنامج “إن 225” أقل كلفة من إقامة طريق سريع يربط بين النهرين عبر جبال الأورال لنقل هذه الأجزاء.

ويرى خراتشينكو أن الطائرة مرّيا، رغم أنها قديمة نسبيا، لا يزال لديها الكثير من الإمكانيات التي لا تقتصر على سعتها الداخلية الضخمة لنقل البضائع. ويعتقد أن ثمة فرصة لتطوير الطائرة “إن 225” لتصبح منصة لإطلاق الصواريخ في الهواء.

ويقول خراتشنكو: “تُستهلك 90% من طاقة مركبة الإطلاق مرّيا حتى وصولها إلى ارتفاع 10 كيلومترات، فإذا نقلنا مركبة فضائية في الجزء الخلفي من طائرة مرّيا وأطلقناها إلى الفضاء من على ارتفاع 10 كيلومترات، فإن الفائدة الاقتصادية ستكون عظيمة، نظرا لما ستوفره من تكاليف”.

ظلت طائرة “إن 225” الثانية غير مكتملة منذ عقدين من الزمن

لا ينكر خراتشنكو أن الطائرة ستحتاج إلى القليل من التحسينات، لكنه يرى أن هذا هو أفضل استخدام لأضخم طائرة صنعتها شركة أنتونوف، ويؤيده الكثيرون هذا الرأي.

وفي عام 2016، وقّعت الشركة الصينية لصناعة المركبات الجوية والفضائية، وهي شركة خاصة في مجال الدفاع وتصميم المركبات الجوية والفضائية وتصنيعها، اتفاقية تعاون مع أنتونوف بشأن برنامج “إن 225”. ولو سارت الأمور كما هو مخطط لها، فستغطى السماء قريبا بأسطول من طائرات “إن 225” صينية الصُنع.

يقول زانج يوشينج، رئيس الشركة الصينية لصناعة المركبات الجوية والفضائية: “في عام 2009، فكرت الشركة للمرة الأولى في تطوير طائرة “إن 225″، وبدأت في إجراء أبحاث أولية عنها. ولم يحدث اتصال رسمي مع شركة “أنتونوف” إلا في عام 2011، ثم بدءا من عام 2013 إلى 2016، اتخذت خطوات جادة في المشروع”.

لكن الشركة الصينية لا ترغب في شراء طائرة “إن 225” الوحيدة التي تعمل الآن بحالة جيدة، إذ قضت الشركة عدة أعوام في دراسة جدوى تحديث طائرة “إن 225” غير المكتملة الأخرى، وهو هيكل غير مكتمل لطائرة، ظل قابعا في حظيرة الطائرات التابعة لمجمع شركات أنتونوف العملاق في قلب العاصمة كييف على مدار السنوات الثلاثين الماضية.

وبتحديث هذه الطائرة، ستصبح قدرة الصين على نقل الحمولات الثقيلة أعلى من قدرات أي دولة في العالم، وربما تفوق أيضا قدرات الجيش الأمريكي على النقل الثقيل.

وبحسب زانج، ستكون الطائرة “إن 225” هي محور الخطة الطموحة التي تهدف إلى إضافة ألف طائرة للنقل الثقيل على مدار السنوات العشرة القادمة.

لكن النقل الثقيل ليس هو الهدف الوحيد من وراء تحديث طائرة “إن 225”.

يقول زانج: “بإمكان الطائرة “إن 225″ أن تحمل مركبة فضائية إلى ارتفاعٍ عالٍ، ويمكنها إطلاق أقمار صناعية تجارية على أي ارتفاع دون 12 ألف متر. فضلا عن أن زمن الإطلاق من الطائرة يتميز بالمرونة والدقة، يمكنها إرسال القمر الصناعي بسرعة إلى المدار المقصود، وبهذا تقلل نفقات الإطلاق إلى حد كبير.”

وينوي الصينيون خوض غمار مجال إطلاق الأقمار الصناعية المربح، إذ تضاعفت إيراداته منذ عام 2006 إلى عام 2015، بحسب إحصائيات الشركة الصينية لصناعة المركبات الجوية والفضائية.

قد يضاف أسطول جديد من طائرات “إن 225” المصنوعة في الصين إلى طائرة شحن أنتونوف الضخمة الوحيدة من نوعها المصنوعة في أوكرانيا

إذا نُفذت الخطة كما هو متوقع، ستحلق الطائرة “مرّيا” في السماء بشكلها الجديد لصالح شركة تصنيع المركبات الفضائية والجوية الصينية، وستخسر أوكرانيا جزءا صغيرا من قطاع تكنولوجيا الطيران. لكن لهذا الجزء دلالة رمزية، إذ تنتاب صانعي الطائرة مشاعر مختلطة حيال فكرة فقدان برنامج “إن 225” وحيازة الصينيين له.

ويقول كالاشنكوف: “يريد الصينيون شراء هذه الطائرة، ولا ضرر في ذلك، لكن ما من أحد بالطبع يريد أن يبيعها. فالطائرة مرّيا جزءا لا يتجزأ من أوكرانيا، ونعدها وليدة جهودنا في مجال الطيران، وستظل مبعث فخر لأبنائنا وأحفادنا”.


يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.