
في الوقت الذي تضخ فيه شركات التكنولوجيا في الولايات المتحدة بشكل جماعي مليارات – وربما تريليونات – الدولارات لتطوير أدوات ذكاء اصطناعي قوية، أظهرت شركة تكنولوجية صينية ناشئة صغيرة للعالم أنه قد يكون من الممكن القيام بذلك بأقل من ذلك. أقل بكثير
تنخرط كل من الولايات المتحدة والصين في منافسة تكنولوجية كبيرة أطلق عليها البعض صفة الحرب، وقد كان من بين أبرز عناصرها تطبيق الولايات المتحدة حظراً مشدداً على نقل جميع التكنولوجيا الأمريكية الداخلة في صناعة أشباه الموصلات، كما شاركها في هذا الحظر كل من اليابان وهولندا.
ومع كشف الصين عن هذا التطبيق، فإنها تؤكد عدم فاعلية الإجراءات الأمريكية في منع بكين من الحصول على التكنولوجيا المتقدمة، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي والذي قد جاء على رأس أولويات الإدارة الأمريكية الجديدة.
أبرز التبعات قصيرة الأجل وطويلة الأجل للكشف عن هذا التطبيق:
1- تراجع حاد للبورصة الأمريكية مع الكشف عن التطبيق الصيني
في 27 يناير، عانت البورصة الأمريكية من تراجع حاد في أسهم شركاتها خاصة تلك العاملة في المجال التكنولوجي.
فعلى سبيل المثال، تراجعت أسهم شركة “نفيديا Nvidia”، وهي الشركة التي تقف وراء صناعة الرقائق المتقدمة التي تهيمن على العديد من استثمارات الذكاء الاصطناعي، بنسبة 17%، وفقدت قرابة 600 مليار دولار من قيمتها السوقية، حيث كانت الأكثر تضرراً.
فقد عمد المستثمرون إلى بيع أسهمهم لمراجعة قراراتهم الاستثمارية في أعقاب كشف الصين عن هذا النوع الأفضل والأقل تكلفة من النماذج اللغوية الضخمة.
وعلى الرغم من استقرار أسهم التكنولوجيا الأمريكية في اليوم اللاحق (28 يناير) حيث عاودت أسهم شركة نفيديا الارتفاع بنسبة تزيد على 6% بحلول منتصف يوم التداول، كما قال الخبراء إن موجة بيع أسهم الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة قد تكون رد فعل مبالغاً فيه؛ إلا أن تأثير التطبيق على سوق التكنولوجيا الأمريكي ورواده لا يمكن تحديد حجمه في الوقت الحالي.

تطبيق ديب سيك في 3 هو أفضل تطبيقات الذكاء الاصطناعي عالمياً وفقاً لمعايير الكفاءة وأيضا السعر والتكلفة
2- تزايد الشكوك حول مستقبل هيمنة الولايات المتحدة على الذكاء الاصطناعي
وصف الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” لحظة الكشف عن التطبيق الصيني بأنها نقطة تنبيه هامة لصناعة التكنولوجيا الأمريكية، لكنه أشار أيضاً إلى أنها قد تكون في النهاية “أمراً إيجابياً” للولايات المتحدة.
مبرراً ذلك بالقول: “إذا كان بإمكانك القيام بالأمر ذاته، بتكلفة أقل والحصول على نفس النتيجة النهائية، أعتقد أن هذا أمر جيد لنا”. وأضاف أنه ليس قلقاً بشأن هذا الاختراق، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ستظل فاعلاً مهيمناً في هذا المجال.
3- اتهامات للتطبيق الصيني باستنساخ نماذج شركة “أوبن إيه آي OpenAI”
اتهمت شركة “أوبن إيه آي” المالكة لتطبيق “تشات جي بي تي”، يوم 29 يناير الجاري، شركات صينية وغيرها بمحاولة نسخ نموذجها للذكاء الاصطناعي، داعية إلى تعزيز التعاون مع السلطات الأمريكية واتخاذ تدابير أمنية.
وشددت شركة “أوبن إيه آي” على أن مثل هذه الخطوة تتعارض مع شروط استخدام نماذجها، مضيفة أنها تعمل على إيجاد طرق للكشف عن محاولات مستقبلية في هذا الصدد ومنعها.
4- تشكيك في فاعلية العقوبات الأمريكية المفروضة على قطاع التكنولوجيا الصيني
ما زال من غير الواضح طبيعة ونوع التكنولوجيا التي اعتمدت عليها الصين في تطوير هذا النموذج، خاصة وأن وحدات معالجة الجرافكس GPU التي يقوم عليها عمل النماذج اللغوية الضخمة بشكل رئيسي يتم إنتاجه بصورة أساسية من قبل شركة “نفيديا” التي تخضع لحظر التصدير إلى الصين.
ويختلف الخبراء في حسم هذه النقطة، فالبعض يعتقد أن النموذج الصيني قد اعتمد على وحدات معالجة الجرافكس (GPUs) مختلفة متاحة في الصين، خاصة وأن مختبرات الأبحاث الخاصة بالذكاء الاصطناعي قد يكون لديها وصول في بعض الأحيان إلى أحدث الوحدات المتقدمة.
بينما يعتقد البعض أن الصين قد قامت بتخزين وحدات معالجة جرافكس أمريكية قبل فرض واشنطن لحظر التصدير.
ومع ذلك، فإن النموذج الصيني يؤكد أن الخبراء هناك قد تمكنوا من استخدام الأجهزة والتقنيات المتاحة لهم بكفاءة أعلى، وهو ما يؤكد عدم كفاءة وفاعلية القيود الأمريكية المفروضة على صناعة التكنولوجيا الصينية، وتهديد بكين لهيمنة واشنطن في هذا الميدان.

قالت الحكومة البريطانية إن الأمر متروك للمواطنين إذا كانوا يريدون استخدام ديب سيك، مع مراقبة المسؤولين لأي تهديد محتمل للأمن القومي
5- تصاعد حدة التنافس العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي
بطبيعة الحال سيؤدي إطلاق تطبيق ديب سيك ونماذجه المختلفة، والتي تعتمد على فكرة المصدر المفتوح والإتاحة المجانية، إلى تصاعد حدة التنافس العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، فالولايات المتحدة ستدفع نحو مواجهة هذه التحركات الصينية، خصوصاً أن الرئيس ترامب يستهدف تطوير مكانة الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، كما يرجح أن تكثف الشركات الأمريكية من استثماراتها في المجال.
وفي المقابل، ستواصل الصين تحركاتها في هذا الشأن لتعزيز نفوذها التكنولوجي. وربما تندفع قوى أخرى لتطوير تطبيقات جديدة.
خلاصة القول
يتوقع أن يسهم هذا الكشف في تعزيز المنافسة التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة، ولكنه في الوقت ذاته قد يُساهم في دعم الأعمال الخاصة بعدد من الشركات التي تسعى إلى تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي القائمة لديها، ولكنها لا تمتلك الأموال ولا القدرات الكافية لتحقيق مثل هذا التطور.
يطرح هذا النموذج أيضاً عدداً من التساؤلات حول حجم التطور في هذا الميدان في الدول الأخرى خاصة أوروبا وروسيا، وما إذا كانت هذه الدول ستنفق المزيد من الجهود والأموال لتطوير الأبحاث المرتبطة بهذا الميدان، أم ستكتفي بموقف المتفرج في حين ستحتكر كل من الصين والولايات المتحدة هذا المجال في مجمله.
المصدر: موقع إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

