كيف تؤثر العملات المشفرة في الانتخابات الأمريكية؟

المرشح الرئاسي الجمهوري والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب يتحدث في حدث بيتكوين 2024 في ناشفيل، تينيسي، الولايات المتحدة

المرشح الرئاسي الجمهوري والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب يتحدث في حدث بيتكوين 2024 في ناشفيل، تينيسي، الولايات المتحدة

لم تَعُد العملات المشفرة مجرد عملات ناشئة تحاول إيجاد موطئ قدم في الاقتصاد الأمريكي أو العالمي، وإنما اتجهت صناعة التشفير للعب دور مؤثر في السياسة الأمريكية، بهدف إقرار قواعد تنظيمية من شأنها توفير بيئة داعمة لنمو الصناعة، بما يسهم في تلافي التداعيات التي تمخضت عن أزمة الإفلاس المدوية التي تعرضت لها تلك الشركات عام 2022، وتعزيز ثقة المستثمرين بالصناعة.

وانطلاقاً من رغبة شركات العملات المشفرة في البناء على النجاحات التي حققتها عام 2024، بوصول سعر البيتكوين إلى أعلى مستوى له على الإطلاق في 13 مارس 2024؛ انخرطت بفاعلية في عملية تمويل الانتخابات الأمريكية عبر لجان العمل السياسي، التي لم تدخر جهداً لاستمالة المؤيدين من الحزبين، ورغم دعمها حملة “ترامب”، فإنها لم تتوان عن مغازلة حملة “هاريس”، في محاولة لترسيخ قاعدة موالية للصناعة في مجلسي الكونجرس، وصعود رئيس مؤيد للصناعة إلى البيت الأبيض، بما دفع البعض إلى التكهن بأن انتخابات عام 2024، ستكون “انتخابات البيتكوين”.

وباعتبار أن الاقتصاد لا يزال يحتل صدارة اهتمامات الناخبين الأمريكيين؛ إذ تشير نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة لمؤسسة “جالوب” إلى أن 33% من الأمريكيين يعتبرون الاقتصاد المشكلة الأكثر أهمية التي تواجه البلاد حالياً، وبالنظر إلى امتلاك نحو 52 مليون أمريكي عملات رقمية، فمن المرجَّح أن يصبح موقف المرشحين من صناعة العملات المشفرة من القضايا المحورية المؤثرة على القرار التصويتي للناخبين.

زخم متزايد

لعب قطاع التشفير دوراً مؤثراً في السياسة الأمريكية في الآونة الأخيرة. وفي إطار جهد مشترك من قِبل 12 شركة عملات مشفرة تم إنشاء لجنة جديدة للعمل السياسي، برزت كأكثر اللجان إنفاقاً في دورة الانتخابات الراهنة لعام 2024؛ لضمان فاعليتها لوبي صاعد من شأنه حشد الداعمين للصناعة، وإقرار تشريعات مساندة لها، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

1- حضور بازر للجان العمل السياسي الممولة من قطاع التشفير: احتلت لجان العمل السياسي التي تتلقى تبرعاتها بصفة رئيسية من شركات العملات المشفرة مركزاً متقدماً بين لوبيات تمويل الانتخابات الأمريكية؛ حيث تفوقت لجنة “فيرشاك” (Fairshake) الممولة من شركات العملات المشفرة، على غيرها من اللجان ذات التاريخ الممتد في السياسة الأمريكية، وقُدِّر إجمالي المساهمات المالية التي حصدتها بنحو 203 ملايين دولار في 11 أغسطس 2024، متجاوزةً لجنة العمل السياسي “جعل أمريكا عظيمة مجدداً” (make America great again) الشهيرة، التي جمعت نحو 201 مليون دولار. ويتمثل أبرز مانحي “فيرشاك” في شركة العملات المشفرة “ريبل” (Ripple)، و”كوين بيس” (Coinbase)، بالإضافة إلى شركة رجل الأعمال “مارك أندريسن” وشريكه التجاري “بن هورويتز” التي ساهمت بنحو 70 مليون دولار حتى نهاية شهر يونيو 2024.

2- السماح بتمويل الحملات الانتخابية باستخدام العملات المشفرة: أفادت لجنة الانتخابات الفيدرالية (FEC) – وهي الوكالة المنوط بها إنفاذ قوانين تمويل الحملات الانتخابية – عام 2014، بأنه يجوز للجان العمل السياسي تلقي مساهمات بالعملات المشفرة (البيتكوين)، وأن حدود المساهمات تحدد وفقاً للقيمة السوقية للعملة في وقت استلام المساهمة. وقد أثار هذا القرار جدلاً واسعاً مع تأكيد بعض المناهضين للعملات المشفرة أن هذه العملات متقلبة للغاية، ولا يمكن التنبؤ بها، ومن ثم فإن الاعتماد عليها يخرق القوانين التي تضع سقفاً لحدود المساهمات، فضلاً عن صعوبة تعقب مصادر العملات المشفرة، بما يجعلها سلاحاً فعالاً للجهات الأجنبية التي تحاول التأثير على الحملات الانتخابية، أو التلاعب بالعملية الانتخابية.

3- تزايد تأثير قضية العملات المشفرة على اتجاهات الناخبين: أصبح الموقف من العملات المشفرة إحدى القضايا التصويتية البارزة في الماراثون الانتخابي الرئاسي لعام 2024؛ إذ كشف استطلاع للرأي أجرته بورصة العملات المشفرة “جيميني” (Gemini) في الفترة بين 23 مايو و28 يونيو 2024، تأكيد أكثر من ثلث الناخبين الأمريكيين (37%) أن موقف المرشح من العملات المشفرة سيؤثر بصورة بالغة على سلوكهم التصويتي، مشيراً إلى أن 73% من مالكي العملات المشفرة الذين يمثلون 21% من الشعب الأمريكي سينظرون إلى موقف المرشح بشأن العملات المشفرة في المقام الأول.

وذلك فيما أشار استطلاع للرأي أجرته شركة “هاريس لاستطلاعات الرأي” (Harris Poll) في الفترة بين 30 أبريل و2 مايو 2024، إلى تزايد اهتمام الناخبين بالعملات المشفرة، مع تأكيد 32% من الناخبين أنهم أكثر انفتاحاً على الاستثمار في العملات المشفرة، وأن تأييد تلك العملات يأخذ منحى تصاعدياً في صفوف الناخبين؛ حيث يرى 23% من الناخبين العملات المشفرة فرصة استثمارية طويلة الأجل، مقارنة بـ19% في استطلاع مماثل أجرته الشركة في نهاية نوفمبر 2023، فيما يتوقع 47% من الناخبين أن تتضمن محافظهم الاستثمارية عملات مشفرة، مقابل 40% فقط في استطلاع شهر نوفمبر.

4- ضلوع مؤثر لشركات العملات المشفرة في الانتخابات التمهيدية للكونجرس: تبذل شركات قطاع التشفير جهوداً حثيثة لإيجاد أرضية صلبة لها في الكونجرس الأمريكي؛ وذلك عبر دعم المرشحين الموالين للعملات المشفرة في الانتخابات التمهيدية، بما يخدم مصالحها لاحقاً في إقرار تشريعات مساندة للصناعة؛ إذ تشير إحصاءات شركة (AdImpact) إلى أن لجنة “فيرشاك” ولجان العمل السياسي التابعة لها، المؤيدة للعملات المشفرة “الدفاع عن الوظائف الأمريكية (Defend American Jobs) و”حماية التقدم” (Protect Progress) ضخوا قرابة 37 مليون دولار في الحملات الإعلانية للانتخابات التمهيدية. وتشير التقديرات إلى أن هذه السياسة آتت ثمارها بفوز المرشحين الموالين للصناعة أو خسارة المناهضين لها في 26 سباقاً انتخابياً تمهيدياً لمجلسي الكونجرس.

5- تحركات لوضع إطار قانوني داعم لسوق العملات المشفرة: يُعد إقرار قانون الابتكار المالي والتكنولوجي للقرن الحادي والعشرين (FIT21) في مايو 2024، الإنجاز التشريعي الأكثر أهميةً للصناعة في الكونجرس، الذي حظي بتأييد 279 عضواً في البرلمان، غالبيتهم من الجمهوريين مقابل رفض 136 صوتاً. ويستهدف التشريع تقسيم المسؤولية عن تنظيم سوق العملات المشفرة بين لجنة الأوراق المالية والبورصات (SEC) ولجنة تداول السلع الآجلة (CFTC)، مع تعزيز سلطة الأخيرة في مقابل إضعاف الدور الإشرافي للأولى، وهو ما قُوبل بفيتو رئاسي من “بايدن”، الذي أكَّد أن مشروع القانون الذي يقوده الجمهوريون يحد من دور لجنة الأوراق المالية والبورصات في وضع الحواجز المناسبة ومعالجة القضايا المستقبلية المتعلقة بالأصول المشفرة، رغم أن العديد منها أوراق مالية، ومن ثمّ يتعيَّن إخضاعها لقواعد تنظيمية صارمة مماثلة لتلك التي تحكم الأسهم والسندات.

ورغم أن مرشحة الحزب الديمقراطي “كامالا هاريس” لم تعلن موقفاً واضحاً بشأن العملات المشفرة، فإن العديد من المشرعين الديمقراطيين أكدوا خلال اجتماع افتراضي لمبادرة (Crypto4Harris) التي تضم مؤيدي العملات الرقمية الداعمين لـ”هاريس”، في 15 أغسطس 2024، أنها ستمهد الطريق للوائح تشفير أمريكية جديد، فيما أعلن زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ “تشاك شومر” خلال الاجتماع ذاته، اعتزامه تمرير تشريع شامل بشأن العملات المشفرة، وتحويله إلى قانون بحلول نهاية العام الجاري 2024.

تطور سعر بيتكوين بين عامي 2011 حتي 2024 خلال فترات الانتخابات الأمريكية

تطور سعر بتكوين بين عامي 2011 حتي 2024 خلال فترات الانتخابات الأمريكية

توجه جمهوري

انطلاقاً من إدراك قطاع صناعة التشفير أهمية وجود حليف مؤيد للعملات المشفرة في البيت الأبيض، وإصلاح البيئة التنظيمية الراهنة التي تعيق الابتكار في الصناعة، فإن هذه الشركات ولجان العمل السياسي اصطفت لصالح المرشح الجمهوري “دونالد ترامب” الذي تعهد بجملة من الإجراءات الإصلاحية التي من شأنها إنقاذ الصناعة، وتحقيق الريادة الأمريكية بها، وهو ما يمكن تناوله فيما يلي:

1- تراجع “ترامب” عن مواقفه المناهضة للعملات المشفرة: على النقيض من تصريحات “ترامب” المناهضة للعملات المشفرة في السابق، وتأكيده في عام 2019، أن البيتكوين وغيرها من العملات المشفرة ليست أموالاً، وأن قيمتها “مبنية على الهواء”، مكرراً هذه التصريحات عام 2021، بوصفه العملات المشفرة “عملية احتيال ضد الدولار”، وأن الاعتماد عليها ينطوي على كارثة محققة؛ فإنه عدل عن هذا الموقف عام 2022، مع إطلاقة خطاً خاصاً من الرموز غير القابلة للاستبدال (NFT) التي تعد نسخة من العملات المشفرة، والتي أطلق منها 3 خطوط، باع خلالها 45 ألف بطاقة، مؤكداً في مقابلة مع مجلة “بلومبرج بيزنس ويك” الأمريكية في وقت سابق من شهر يوليو 2024، أنه يخطط لإطلاق المجموعة الرابعة، هذا بجانب اختياره السيناتور “جيه دي فانس” المعروف بتأييده للعملات المشفرة نائباً له.

2- قبول حملة “ترامب” التبرعات بالعملات المشفرة: أعلنت حملة المرشح الجمهوري “دونالد ترامب” في 22 مايو 2024، أنها ستبدأ في قبول التبرعات بالعملة المشفرة، ليُعد بذلك أول مرشح رئاسي أمريكي يقبل التمويل بهذه العملات. وتحقيقاً لهذا الغرض، أطلقت حملته صفحة لجمع المساهمات تسمح لجميع المانحين على المستوى الفيدرالي بالتبرع للجان العمل السياسي بأي أصول مشفرة مدرجة لدى بورصة العملات المشفرة “كوين بيس” (Coinbase)، ومن ثم قبلت الحملة العملات الشائعة مثل “البيتكوين” و”الإيثريوم”، والعملات ذات القيمة المنخفضة أيضاً مثل “شيبا إينو” أو “شيب” و”دوجكوين”.

3- تنامي حصيلة حملة ترامب من العملات المشفرة: جمعت حملة “ترامب” بنهاية يونيو 2024، 1.8 مليون دولار من عملة البيتكوين، بالإضافة إلى 900 ألف دولار من عملة الإيثريوم، وهما أكبر عملتين مشفرتين، وتم بيع معظم هذه العملات على الفور مقابل عملات مشفرة مرتبطة بالدولار، كما بلغت المساهمات بعملة “الدوجكوين” نحو 300 دولار، و100 دولار من عملة “شيبا إينو” ليصل إجمالي تلك المساهمات إلى 3.1 مليون دولار.

ورغم ضآلة هذا المبلغ مقارنة بإجمالي حصيلة الحملة الذي بلغ 331 مليون دولار، فلا يمكن إغفال أن هذا المبلغ جاء بعد قرابة شهر واحد فقط من بدء قبول الحملة لهذه العملات، فضلاً عن أنها جاءت من حفنة من كبار المساهمين في هذا المجال، أمثال “جيسي باول” المؤسس المشارك لبورصة العملات المشفرة كراكن، بالإضافة إلى “تايلر” و”كاميرون وينكلفوس” المؤسسين المشاركين لبورصة العملات المشفرة جيميني، ولا يمكن إغفال تبرعات الأفراد (العاديين) التي بلغت 100 مساهمة، وما تشير إليه التقديرات من احتمالية ارتفاع هذه المساهمات خلال الأشهر المقبلة.

4- إدراج العملات المشفرة على أجندة “أمريكا أولاً”: لم يدخر المرشح الجمهوري “دونالد ترامب” جهداً في الآونة الأخيرة لإظهار تأييده التام للعملات المشفرة، متعهداً بوقف حملة “جو بايدن” لتقويض العملات المشفرة، ودعمها وضمها إلى خطته “أمريكا أولاً”؛ حيث أكَّد – على هامش مؤتمر “البيتكوين” بمدينة ناشفيل في ولاية تينيسي في 27 يوليو 2024، الذي ضم قرابة 20 ألف مؤيد للعملات المشفرة – أن هذه العملات ستحدد المستقبل؛ ولذا يتعيَّن تعدينها وصنعها في الولايات المتحدة لتكون عاصمة للعملات المشفرة في العالم.

كما قدم سلسلة من الوعود لدعم الصناعة، تمحورت حول تشكيل مجلس استشاري رئاسي لصناعة العملات المشفرة، بالإضافة إلى بلورة إطار تشريعي منظم من المؤيدين للصناعة، متعهداً بإقالة رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات “جاري جينسلر” الذي وصف صناعة العملات المشفرة بأنها “غرب متوحش”، وهو الأمر الذي لقي ترحيباً حاراً من الحضور.

5- إعلان عدد من رواد قطاع العملات المشفرة دعمهم لترامب: بالنظر إلى أن الانتخابات الراهنة تبرز باعتبارها لحظة حاسمة في مستقبل صناعة التشفير في البلاد، أكَّد “ديفيد بيلي” الرئيس التنفيذي لـشركة “BTC Inc” للعملات الرقمية، أن صناعة قطاع التشفير ملتزمة بجمع أكثر من 100 مليون دولار، وحشد أكثر من 5 ملايين ناخب، لصالح جهود إعادة انتخاب “ترامب”؛ لتنفيذ الاستراتيجية التي بلورها لتحقيق الريادة الأمريكية في هذا القطاع، بعدِّها قضية أمن قومي للولايات المتحدة الأمريكية في إطار التنافسية العالية مع الصين في هذا الصدد.

وختاماً، فإن الاستحقاق الانتخابي الراهن يبرز باعتباره فرصة لإنقاذ صناعة العملات المشفرة في البلاد، التي قد تلعب بفضل التمويل السياسي دوراً محورياً في ترجيح كفة مرشح على حساب آخر، مع صعود اتجاه جديد في السياسة الأمريكية يبرهن أن موقف المرشحين والناخبين من العملات المشفرة سيظل من القضايا المحورية في الاستحقاقات الانتخابية الأمريكية المقبلة، فضلاً عن أن صنع السياسات ذات الصلة بالعملات المشفرة ستظل محددة بمصالح المانحين الذين سيطالبون بقرارات داعمة مقابل كل سنت دفعوه للحملات الانتخابية للفائزين.


المصدر: موقع إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية – وكالات

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.