ما سبب الحرب الأمريكية علي الصين بسبب الرقائق الإلكترونية؟

الرئيس الأمريكي جو بايدن يحمل أحد الرقائق الإلكترونية خلال تصريحاته قبل التوقيع على أمر تنفيذي بشأن الاقتصاد في البيت الأبيض في واشنطن العاصمة في 24 فبراير 2021

الرئيس الأمريكي جو بايدن يحمل أحد الرقائق الإلكترونية خلال تصريحاته قبل التوقيع على أمر تنفيذي بشأن الاقتصاد في البيت الأبيض في واشنطن العاصمة في 24 فبراير 2021

كثفت الولايات المتحدة جهودها ومساعيها لإعاقة تقدم الصين في صناعة الرقائق الإلكترونية التي تعتبر عنصراً جوهرياً في كل الأجهزة الإلكترونية مثل الهواتف الذكية إلى الأسلحة والمعدات العسكرية.

في شهر أكتوبر الماضي أعلنت واشنطن عن بعض من أوسع قيود التصدير حتى الآن بحيث باتت الشركات التي تنوي تصدير هذه الرقائق إلى الصين ملزمة بالحصول على تراخيص تصدير. وشملت القيود الرقائق التي يتم إنتاجها باستخدام معدات أو برامج كمبيوتر أمريكية بغض النظر عن مكان صنعها في العالم.

كما تمنع القيود المواطنين الأمريكيين وحاملي بطاقة الإقامة الخضراء من العمل في بعض شركات الرقائق الصينية. حاملو البطاقة الخضراء هم مقيمون دائمون في الولايات المتحدة ولديهم الحق في العمل في الدولة.

إنها تقطع الطريق أمام الصين للوصول إلى القدرات الأمريكية مما سيؤثر على قدرتها على تطوير أشباه الموصلات المتطورة.

الشك والريبة تسيطران علي العقلية الأمريكية تجاه الصين

نشرت مجلة السياسة الدولية “فورين بوليسي” الآتي:

في عام 2019، أمرت إدارة ترامب الوكالات الحكومية الأمريكية بالتوقف عن استخدام أكثر من 800 طائرة بدون طيار ساعدت في السابق في مراقبة حرائق الغابات في جميع أنحاء البلاد.

عملت الطائرات بدون طيار في العام السابق بشكل جيد، لكنها من صنع شركة DJI الصينية.

إن استخدام الطائرات بدون طيار من شركة DJI ليس بالأمر المميز، فالشركة توفر أكثر من 70% من الطائرات المدنية بدون طيار في العالم.

ومع ذلك، كانت الإدارة قلقة من أن الطائرات بدون طيار قد ترسل سرا معلومات حساسة إلى الصين، مما يسمح لبكين برؤية ما يمكن للطائرات بدون طيار رؤيته بالضبط.

أنكرت DJI بشدة هذه الادعاءات واتخذت خطوات لنقل الإنتاج إلى الولايات المتحدة. حذر موظفو وزارة الداخلية الأمريكية من أن وقف مراقبة حرائق الغابات بالطائرات سيؤدي على الأرجح إلى نتائج كارثية. ومع ذلك، اختارت الإدارة تجاهل هذه التحذيرات والمضي قدمًا في استراتيجيتها في الحرب الإلكترونية علي الصين.

طائرتين بدون طيار (درون) ومن طراز  Mavic 2 Pro و Mavic Mini من صنع الشركة الصينية DJI يطيران بالقرب من بعضهما البعض في ميامي، فلوريدا، في 15 ديسمبر 2021

طائرتين بدون طيار (درون) ومن طراز Mavic 2 Pro و Mavic Mini من صنع الشركة الصينية DJI يطيران بالقرب من بعضهما البعض في ميامي، فلوريدا، في 15 ديسمبر 2021

كانت الخطة الاحتياطية هي استخدام الطائرات التي يديرها رجال الإطفاء، ولكن سرعان ما تم التخلي عن هذا الخيار: لقد عرّض حياة البشر للخطر عندما كان هناك بديل خالٍ من المخاطر.

مات ما يقرب من 40 شخصًا في حرائق الغابات وأضرار وصلت إلى 19 مليار دولار في كاليفورنيا وحدها. هل كان التخفيف من المخاطر التي لا أساس لها من أن الصين قد تستخدم الطائرات بدون طيار للتجسس على الأراضي الأمريكية يستحق مثل هذا الثمن الباهظ؟ بالنسبة لواشنطن، كان الجواب واضحًا وهو *نعم*.

وفقًا للحكومة الأمريكية، تركز الاستراتيجية الاقتصادية للصين على جذب الشركات الأجنبية وسرقة التكنولوجيا الخاصة بها وتوطينها قبل إجبار الشركات على الخروج من السوق الصينية.

لماذا تفعل الولايات المتحدة ذلك؟

تُستخدم الرقائق المتطورة لتشغيل أجهزة الكمبيوتر السوبر ومعدات الذكاء الاصطناعي والتجهيزات العسكرية.

وتقول الولايات المتحدة إن استخدام الصين للتكنولوجيا يشكل تهديدا لأمنها القومي.

وأعلن وكيل وزارة التجارة الأمريكية آلان استيفيز عن القيود الجديدة قائلاً إن الغرض من هذه القيود ضمان قيام الولايات المتحدة بكل ما في وسعها لمنع حصول الصين على “التقنيات الحساسة ذات التطبيقات العسكرية”.

وقال: “طبيعة التهديد تتغير دائما ونقوم بتحديث سياساتنا اليوم للتأكد من أننا نتصدى للتحديات”.

من جانبها، وصفت الصين القيود الأمريكية بأنها “إرهاب تكنولوجي”.

وعبرت بعض البلدان الآسيوية التي تنتج الرقائق الإلكترونية مثل تايوان وسنغافورة وكوريا الجنوبية عن قلقها بشأن تداعيات هذه المعركة المريرة على سلسلة التوريد العالمية.

وشهدنا خلال الأسبوع الماضي ثلاث تطورات مهمة في هذا الصراع.

المزيد من الشركات الصينية على “قائمة الكيانات”

مصنع الشرائح الإلكترونية لشركة سامسونج

أضافت إدارة بايدن 36 شركة صينية أخرى، بما في ذلك شركة YMTC الكبرى لصناعة الرقائق إلى “قائمة الكيانات” التي حظرت واشنطن التصدير إليها دون أخذ موافقة الحكومة الأمريكية وهو أمر ليس بالسهل.

القيود الأمريكية الجديدة لها آثار واسعة. ففي الأسبوع الماضي أكدت شركة Arm التي تصمم شرائح الكمبيوتر ومقرها المملكة المتحدة أنها توقفت عن بيع تصميماتها الأكثر تقدمًا إلى الشركات الصينية بما في ذلك شركة علي بابا العملاقة للتكنولوجيا بسبب الضوابط الجديدة التي وضعتها كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

وقالت الشركة إنها “ملتزمة بتطبيق جميع قوانين ولوائح التصدير المعمول بها في الدول التي تعمل فيها”.

الصين تشكو لمنظمة التجارة العالمية

قدمت الصين شكوى ضد الولايات المتحدة إلى منظمة التجارة العالمية بشأن ضوابط تصدير أشباه الموصلات وتكنولوجيا أخرى ذات الصلة.

هذه هي الشكوى الأولى التي ترفعها بكين ضد الولايات المتحدة امام منظمة التجارة العالمية منذ أن تولى الرئيس جو بايدن منصبه اوائل 2021.

وقالت الصين في شكواها أن الولايات المتحدة تسيء استخدام ضوابط التصدير للحفاظ على “ريادتها في قطاعات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والتصنيع”.

وأضافت أن الإجراءات الأمريكية تهدد “استقرار سلاسل التوريد الصناعية العالمية”.

وقالت الولايات المتحدة ردا على ذلك إن الهيئة التجارية (منظمة التجارة العالمية) “ليست الجهة المناسبة” لمعالجة المخاوف المتعلقة بالأمن القومي.

وقالت مساعدة وزير التجارة الأمريكي لشؤون إدارة الصادرات ثيا كيندلر: “تستوجب مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة التصرف بحزم لمنع الوصول إلى التقنيات المتقدمة.”

وجاء في الشكوى أن الولايات المتحدة قد فرضت قيودًا على تصدير ما يقرب من 2,800 سلعة صينية رغم أنه يسمح فقط بـ 1,800 من هذه السلع بموجب قواعد التجارة الدولية.

يذكر أنه أمام الولايات المتحدة 60 يوماً لمحاولة حل هذه المسألة وإلا سيُسمح للصين بطلب لجنة للنظر في الشكوى التي تقدمت بها.

في وقت سابق من هذا الشهر قضت منظمة التجارة العالمية بأن الرسوم الجمركية الأمريكية على الصلب والألمنيوم التي فرضتها الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب تنتهك قواعد التجارة العالمية.

ويخضع ثلثا البضائع التي تبيعها الصين إلى الولايات المتحدة للرسوم الجمركية.

وقالت الولايات المتحدة إنها “ترفض بشدة” الحكم ولا نية لها لإلغاء هذه الإجراءات.

محادثات مع اليابان وهولندا

مصنع شركة ASML الهولندية التي تعتبر أكبر منتج لآلات انتاج الرقائق الإلكترونية

مصنع شركة ASML الهولندية التي تعتبر أكبر منتج لآلات انتاج الرقائق الإلكترونية

من المحتمل أن تفرض اليابان وهولندا ضوابط تصدير إلى الصين مما يحد من قدرة الشركات اليابانية والهولندية على بيع منتجات متقدمة في السوق الصينية.

وقال مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض جيك سوليفان يوم الاثنين 12 ديسمبر إن الولايات المتحدة أجرت محادثات مع اثنين من الموردين الرئيسيين لمعدات صناعة الرقائق بخصوص فرض ضوابط على بكين مماثلة لتلك التي فرضتها واشنطن.

وقال سوليفان للصحفيين “لن أستبق صدور أي بيانات، سأقول فقط إننا سعداء للغاية بالصراحة والعمق والكثافة التي اتسمت بها المحادثات.”

لا تستهدف الضوابط الأمريكية الشركات التي تنتج الرقائق الإلكترونية فقط بل تشمل الشركات المصنعة لمعدات تصنيع الرقائق.

يمكن للشركات الكبيرة في اليابان أو هولندا أن تخسر زبوناً كبيراً ومربحاً لآلاتها المتطورة.

سُئل بيتر وينينك، الرئيس التنفيذي لشركة ASML Holding NV الهولندية لصناعة معدات إنتاج الرقائق عما إذا كان يتعين على هولندا تقييد الصادرات إلى الصين.

أجاب وينينك إن الحكومة الهولندية، استجابة لضغوط الولايات المتحدة، حظرت على شركته بيع آلات طباعة الرقائق الإلكترونية الأكثر تقدمًا إلى الصين منذ عام 2019.

وقال لوسائل إعلام هولندية: “ربما تعتقد الولايات المتحدة أنه يجب علينا الجلوس على الطاولة معهم لبحث هذه المسألة، شركتنا قدمت التضحية المطلوبة”.

شركة ASML Holding NV المصنعة الأكثر تقدمًا للمعدات لإنتاج الرقائق الإلكترونية، حققت أسوأ أداء سنوي لها منذ عام 2002 حيث أدى الخلاف بين الولايات المتحدة والصين إلى خسارة 169 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال عام 2022 وهو أكبر خسارة لأي شركة أوروبية هذا العام. تتراكم الخسائر في وقت تشهد فيه صناعة الرقائق انخفاضًا سريعًا في الطلب، حيث يتردد المستهلكون في جميع أنحاء العالم في اقتناص الإلكترونيات وسط ارتفاع التضخم وعدم اليقين الاقتصادي.

أنخفض سعر سهم شركة ASML الهولندية من 700 يورو في بداية عام 2022 الي 540 يورو يوم الجمعة 16 ديسمبر 2022

أنخفض سعر سهم شركة ASML الهولندية من 700 يورو في بداية عام 2022 الي 540 يورو يوم الجمعة 16 ديسمبر 2022

ما ينتظرنا في المستقبل

يتعرض صانعو الرقائق الإلكترونية أيضاً لضغوط لصنع رقائق أكثر تقدما تحتاجها المنتجات الجديدة.

على سبيل المثال، سيحتوي الكمبيوتر المحمول الجديد لشركة آبل على رقائق من شركة تايوان سيميكونداكتر مانيفاكشرينج الرائدة في هذا المجال على رقائق سماكتها 3 نانومتر (1 ملم يعادل مليون نانو متر) على سبيل المقارنة تتراوح سماكة شعر الإنسان ما يقرب من 50,000 إلى 100,000 نانومتر.

يقول المحللون إن الضوابط الأمريكية يمكن أن تضع الصين في مرتبة متأخرة عن البلدان الأخرى المنتجة للرقائق فيما قالت بكين صراحة إنها تريد إعطاء الأولوية لتصنيع أشباه الموصلات وأن تصبح قوة عظمى في هذا المجال.

لقد قامت الولايات المتحدة بالفعل بمحاصرة صناعة الرقائق الإلكترونية الصينية إلى حد بعيد على الرغم من أن الإجراءات الأخيرة ليست شاملة مثل تلك التي تم الإعلان عنها في أكتوبر الماضي.


المصدر: فورين بوليسي – بي بي سي – وكالات

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.